مراجعة ماريَّة فليون لرواية يا صاحبي السجن

مراجعة ماريَّة فليون لرواية يا صاحبي السجن

مراجعة رواية يا صاحبي السجن للقارئة ابنةِ دمشق ماريَّة فليون..
#يا_صاحبي_السجن
.....
أعتقدُ أنَّ بعض البدايات مرهقة حقاً.. و بدايتي للكتابة عن هذه الرواية ستكون كذلك.. كيف و لمَ؟
لا أُنكر أنَّني لأوَّل مرَّة قد دخلتُ مع رواية أو كتابٍ إلى هذا العُمق..دخلتُها من المُقدِّمة دخولَ سجينٍ أيضاً..عِشتُها بتفاصِيلها.. صحيح هذه الرواية الثانية التي قرأتها للدكتور أيمن بعد (خاوية)..لكنَّهما كانتا محفوفتانِ بتفاصيلٍ رأيتُ من خلالها تجسيداً حقيقياً أمامي لكِلِّ ما يجري.. و كيفَ أن تكون البساطة في كلامٍ قرأتَهُ فارتسَمَ أمامَكَ بوضوحٍ تام.. بتفاصيلٍ كاملة..!!
هو حتماً سيكونُ نسجَاً من كاتبٍ مُحترِف..!
...................
رواية [يا صاحبي السجن]
تحدَّثتْ عن تجربة الكاتب ذاته في سجون بلدِه..بدأتُ بها كأيِّ كتابٍ من الممكن أن أقرأه لأقتاتَ مِن كلماتِه ما يُفيدُني..لكنَّني هُنا قد اقتنيتُ التجربة بحرفيَّةٍ كاملة..!!

[[و ما أمتع أن تحاورَ روح الكاتب و يخرج هو من ثنايا كتابه ليجلس في حضرتك عابراً مواضي سحيقة و بلاداً بعيدة و مستقراً بين يديك..]]

كيفَ من المُمكن أن تكون حياةُ السُّجون مجسَّدة أمامنا لِنعيشها حقاً مع كاتِبها..!!
- تناوَلت الرواية مِن الفصولِ عددَاً زوجيَّاً فكانت ستَّة عشر فصلاً..و نصفُ السِّتَة عشر ثمانية..عددٌ زوجيٌّ أيضاً..! تلك الرِّوايةُ ثنائيَّة العدد..و بتحليلٍ لي إنَّ الكلمات قد حملَت معها الحقيقية.. فكانت هي و الحقيقة ثُنائيَّان مُتكاملان تضاعَفَان عبر هذه الفصول..!!
- حملَ كُلُّ فصلٍ مِنها عنواناً كالسِّراج..جُزْءٌ مِن آياتٍ كريمة تفتَحُ القلبَ و العقل لقراءة المزيد..!!
- أسلوبُ العرض كانَ مُقحماً بالتفاصيل.. و أقولها دائماً بأنَّ د. أيمن هو (كاتِبُ التَّفاصيل)..يُريكَ ماذا يحدثُ في زمانِكَ و ما الَّذي لم ترَهُ عينك..بتفاصيلِ كُلِّ شيء..

[[كانت السجون تصنع هذا الفارق بين السادة و العبيد و تضخّمه.. (كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)..تربّي الأنظمة أجهزتها و ذئابها كي تظل أمينة على تأصيل هذا الحد الفارق بين الفئتين..لأنها تعلم أنَّ سبيلها الوحيد كي تبقى جالسة على الكراسي المزخرفة.. و هي أيضاً تعلم أنَّها ستفقد كل شيء إذا كان العدلُ هو الميزان الَّذي يوزن به الناس جميعاً..فكم من السادة لم يكونوا سادة إلَّا لأنَّ العبيدة ظلُّوا عبيداً..!! و كم واحدٍ منهم صار سيداً لا لصفاتٍ قادرةٍ على أن تبوِّئه في هذا المكان..بل لأنَّ جدَّه من قبل مرّ بهذه الديار..أو بهذه الآبار..
فتبَّاً لأمَّة تملَّك سادتها الجاثمون على صدورها بالتّقادم!!]]

- تضمَّنَت الرواية ((أدبَ السُّجون)).. نعم ذاك الأدب حديثٌ بعهدِه .. يأتي بهِ الكاتبُ من خلفِ الجُدران المتوَّجة بأسلاكٍ شائكة حادَّة.. تعبُر الكلماتُ مِن خلالها..و الَّذي أثار انتباهي عبور مثل هذه الأحداث بهيئةٍ كامِلة دون خدشٍ يمسُّها.. حقاً ما قُلتَهُ د. أيمن :
[[للكتُبِ مذاق الخلود]]
ولا أنُكرُ حملَ هذهِ الكلمات لِروحِ مَن كتبها.. مَن عاشَها..
وما أصغر الكون حين يصغي إلى وَقْعِ الرُّوح..!!

[[كان الليل اللحظة الشهابيّة في الحياة.. فاصلٌ زمنيٌّ خارج إطار الزّمن نفسه..إنْ سكنَكَ صنعَ لكَ الحدث متماهياً مع كلِّ الأزمنة..حتى يكاد أن يكون بلا زمن..أو أن يكون هو الزمن كلّه..فلا يعرّف بأنّه جزء منه..
فيه تبدّت لي الأحلام..و فيه أضأتُ مشاعلي..و خطت راياتي..و عبرتُ عوالمي..و حفظتُ كتابي..و محوتُ حدودي..و صنعتُ تاريخي..و قرأتُ آياتي..و فيه ذُبتُ حتَّى صار جزءاً مني.. لا يفارقني ولا أفارقه..]]

- تحدَّثَ الكاتِبُ عن ليلِهِ كثيراً وهو يقطُن خلف جُدران السجون..حتَّى إنَّ قراءتي للرواية كانت غالباً في الليل أيضاً..تلك الرواية الَّتي دخلتُ عبرها إلى عالمٍ خاصٍّ جداً..! كالليل تماماً بما يُخبِّئه في ظلامِه..!!

أحبَبتُ أن أكتُبَ الكثير عن تفاصيلِ هذه الرواية.. أن أكتُبَ عنها بتفصيلٍ أيضاً..
و في ختامِ ما أُريدُ التَّكلُّم عنه اقتباس اختطفته من بين سطورِها لأقتني منه المعنى العميق لتلكَ الرِّواية..

[[تسير الحياة في دورتها كما هي دون إبطاء..تلفّنا.. تذهب بعيداً أو قريباً.. تأكلنا.. تطحنُنا.. تُبقينا في جوفها.. أو تلفظنا خارجاً.. و على أيّة حال فهي لا تحبنا بقدر ما نُحبها.. بل لا تعرف للحبِّ قيمة ولا معنى.. و هي لا تقدّس شيئاً.. نحن الَّذين نقدِّس فيها أشياء يكون مصيرنا معها الفناءُ غالباً..
نقدِّسُ الحب.. فنجد أنَّ للحبِّ أنياباً تنهش أجسادنا..
نقدِّسُ المال.. فنجد أنَّ للمال ألسنةً من اللهب تحرقنا..
نقدِّسُ السُّلطة..فنكتشفُ أنَّ للسُّلطة سياطاً نجلدُ به ظهور بعضنا..
و نخاف أن نكبر بمرور الأيام.. فنكتشف أنَّ الأيام تسرق أعمارنا..
مَن قدَّس الحياة عادت إليه عارية من كل شي.. و عاد منها كقابض شعاع الشمس في ضاحية النهار..]]

كلمات مفتاحية 

سجّل في نادي قرّاء أيمن العتوم