مراجعة رواية أرض الله للقارئة شروق العبسي

مراجعة رواية أرض الله للقارئة شروق العبسي

"يؤتى بفلان ،،فيقال : كان قمح الأمة في شتاتها ،ينفي عنها جوعها "!
ما فارقتني هذه المقولة طيلة الخمسمائة صفحة ونيف التي حواها غلاف الرواية المؤلم..
مقدمة تخطف الأنفاس وتهيىء الروح لقادم وحشي .. يفوق كل ما قد تتفتق عنه أدمغة الأسوياء من خيالاتٍ سادية جامحة ..
ومن ثم ..
طفولة ملائكية، عذبة ،رقراقة ..
مفصلة على قياس أمنيات القلب الحالم ..
فرحٌ تكيله الدهشة بلا حساب..
مالٌ كفيل بأن ينصب خيام الأمان على متن كل شبر من المستقبل ..
علم وقامات من نور ، يحيلون الروح قطعة سماوية تداني في نقائها طهر الغمام ..
طبيعة تتبختر بجلالها ،فتعيد للفطرة خلقتها الأولى ،، وتحيلها فلقة من بدر التمام ..
والأغلى والأهم : أب ألمعي ،أم رؤوم ، وأخت متفردة،،وأسرة يجد القلب فيها كل معاني السكن والسكينة ..
يهطلون على الأيام رزقا نديا ،يمنح ساعاتها أسخى معانيها..
*****************************
ومن ثم وعلى حين غفلة من الرغد ،، يؤشر القدر بيده فتصمت معازف الفرح ..
ويخترق المشهد وحش نهري يبتلع " آمنة" ويبتلع معها الأمان ..
ترحل آمنة وترحل معها الأنوار . ويجثم ليل طويل أقسم ألا ينجلي !
لوهلة تمتمت متألمة: ويلاه كيف لليل أن يمد بساطه فيطمس أعواما طويلة من العمر البشري ؟
و لماذا يختبىء الفرج في الدجى ويصبح ثقيلا وأبطأ من سلحفاة ؟!
عاجلتني " توبا" بالإجابة .
الفرج لا يأت متأخرا أبدا ..وكيف يأتي متأخرا وهو يمتطي ظهر المصيبة دوما ؟!
إنما نحسبه عزيزا بعيدا ،لأننا لا نجيد الرؤية في القتام !
*****************************
بعد "توبا" يتلون الدجى بكل درجات السواد ..
كلما أقنعتني الأحداث أننا قد وصلنا أحلكها ،باغتتني بما هو أشد و أقسى !
أضنت الأحداث قلبي ..بل شيبته !
جعلتني أقف أمام قدرة الإنسان على الطغيان ،متسائلة إن كان بين تلك القلوب وبين الوحشية والبهائمية نسب !
إلا أن تلك السادية الكافرة بكل الأعراف الإنسانية على جموحها لم تكن أشد ما أوجعني في الرواية .. كلا
إنما أن يقف المرء أمام الأهوال واجما مرتبكا ، تتخطفه عواصف من أسئلة بلا إجابات !
لماذا هذا كله يا رب ؟
أين أنت عما يحدث هذا كله يا رب ؟
أعراض تهتك ،حرمات تنتهك ، قيم تسحق وتباد ..أفلا تنتقم يا رب ؟
خشيت على بطل الرواية الكفر !
ما خشيت عليه العبودية ولا الأغلال كما خشيت عليه الكفر والنكوص !
إلا أن الأحداث كلها أخبرتني كم كان بارعا في تقصي إثر الفرج حتى في أحلك ساعات العتمة ..
بطل الرواية الأسود ،كان يجيد التعامل مع السواد ،،
كل الذي فعله أن أسرج قلبه بزيت العلم والإيمان..
فأزاح الضياء ستار الليل البهيم بما يكفي لئن يخطو صوب الفرج خطوات لا تزل ولا تتعثر !
عشت مع الرواية ثلاث ليال ،،
عرفت فيهن عن الله وعن الإيمان به ما لم أعرف من قبل ..
تذوقت بعض آي القرآن الكريم كما لم أتذوق من قبل ..
فهمت عن قدرة الإنسان على الصمود حقائق لم أتخيلها من قبل ..
واستوعبت جيدا كيف أن الخير لا يموت ..لا يموت أبدا حتى وإن مضى على موت صاحبه سنوات وسنوات ..
هل ظن بطل الرواية يوما أن أحدهم سيقصد السنغال في رحلة ،فيعود بمخطط يروي قصة نضاله ،فيحيلها رواية رصينة ، سيقرأوها الملايين يترحمون عليه ، يدعون له ، و يفتخرون بأنه استقام راية عالية في زمن نكست فيه أعذاق القيم الإنسانية ،فيتأسون به ويتشبثون بها أكثر؟!
علمتني الرواية أن أتدرب على رؤية الفرج وسط القتام ..
وأن أتتبع أثر الكلمة الطيبة ما حييت ، فلأول مرة أدرك كيف لفرعها أن يمتد في السماء !
عيبها الوحيد أنها أصابت ذائقتي الأدبية بالغرور ،فلا أظن أني سأقنع بعمل آخر لا يضاهي لغتها رفعة ولا سبكها متانة ..
ولا أظنني بعدها سأحتفي بنص لا يعيدني إلي كما فعلت هي !
رواية تستحق أن تخلد..
كلمات مفتاحية 

سجّل في نادي قرّاء أيمن العتوم