مراجعة رواية أرض الله للقارئة أريج عاطف

مراجعة رواية أرض الله للقارئة أريج عاطف


مراجعة رواية أرض الله للقارئة أريج عاطف


الرواية الرابعة عشر والّتي اختار الروائي(د. أيمن العتوم) لها كأخواتها السابقات اسمًا من النّص القرآني الخالد
فسماها "أرض الله"، واختار المقولة الخالدة والّتي استعملها أكثر من مرة في نصوصه السردية السابقة، ولكن هذه المرة جعلها فاتحة الرواية إنّها مقولة الصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" والّتي تصلح للتعبير عن كم كبير من الأزمات الّتي عاشتها البشرية إن لم تكن جلّها(متى استعبْدتُمُ النّاسَ وقد ولَدَتهُم أمهاتُهم أحرارًا)؟!!!
ما عليك عزيزي القارئ إلا أن تجلس وتمسك جيدًا بالرواية، فعدد صفحاتها تجاوز(500) صفحة ولكن أعدك ألا تمل من القراءة، فالعتوم بسحر قلمه وجمال لغته الفصيحة الأقرب إلى اللّغة الشعرية الأنيقة سيأخذك إلى الجانب الإفريقي ليروي لك(عمر بن سيّد) حكايته، حكاية رجل عاش(93) عامًا ما بين السيادة والحرية، والعبودية والتبعية.
بدأت من طفولته الّتي كانت في(فوتا تور) حيث بيت أبيه الرجل الصالح المحبِ للعلم، والعلماء، والّذي كان يدفع الذهب والأموال للنساخ مقابل أن يقوموا بنسخ القرآن الكريم، والكتب العريقة ويرسلها كهدايا للعلماء وطلاب العلم ليتعلموها، الرجل الفارس الّذي عاش حياته محبًا للجهاد ومتقنًا لفنون الفروسية، ذلك الرجل الطّيب الصّالح الذّي أغدق على أهل قريته الفقراء من الأموال والخيرات الكثير...
بعد أن تعيش وتتنسم النسمات الطّيبة العطرة للبيت المسلم العربي الأصيل الذّي ترعرع فيه(عمر بن سيّد)، ينقلك العتوم إلى(توبا) الّتي رحل إليها(عمر بن سيّد) ليتعلم العربية والقرآن الكريم وعلومه، ويتعلم الأخلاق والقيم الإسلامية العربية العريقة كالصّبر والصّدق والتواضع... وغيرها ليعود إلى(فوتا تور) بعد أن أمضى عشرين عامًا، نال خلالها شرف التّدريس، ليباشر مهامه الجديد بتعليم أهل قريته ما تعلمه في(توبا)، ويتزوج ويستقر، ولكن....عليك الآن أن تستعد للمفاجأة فهذا الجمال لن يدوم لأن العتوم سيأخذ مع(عمر بن سيّد) إلى الحديث عن(57) عامًا من العبودية الّتي حكمت عليه جبرًا وافتراءً من قبل الجنس الأبيض، لا لسبب يذكر سواء أنّه خلق بقشرة سوداء، ليكون هذا السبب كافيًا لجعله هو وعشرات الآلاف من الزنوج أصحاب القشرة السوداء عبيدًا يساقوا ويباعوا ويشتروا، من قبل الجنس الأبيض، بغض النّظر أكانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا أو عجائز.
فبعد أن كان(عمر بن سيّد) سيدًا في قومه غدا عبدًا أبقًا لا يملك حتى حق أن ينادى باسمه فسيده الأبيض اختار له اسم(ماريان)....(57)عامًا من الذّل والعبودية، (57) عامًا تراءى له الموتُ في كل يوم أكثر من مرة، (57) عامًا رأى فيها العجب العجاب من غطرسة الإنسان، إن كان يصح أن نطلق عليه لفظة إنسان، وظلمه لأخيه الإنسان لا لشيء سواء أنّه اعتقد أن لون بشرته الأبيض أعطاه كامل الحق في دهس وسحق وقتل وتعذيب صاحب البشرةِ السوداء، فالزنوج ما خلقوا إلا ليكونوا خدمًا وعبيدًا لهم..
أعلم عزيزي القارئ أنّك ستبكي أكثر من مرة في هذه الصفحات، وتلعن تلك الحرية الّتي يدعى بعضهم أنّهم أهلها، ومازالوا ليومنا هذا يدعون ذلك، ويرفعون شعاراتهم الخادعة منادين بها، ولكنهم في الحقيقة بعيدين كل البعد عن حقيقة الحرية، وتاريخهم ملئ بالشواهد على كذبهم، وادعاءاتهم الباطلة، وربما أيّها القارئ تغلق الرواية ويرميها جانبًا فقد أوجعت أحداثها قلبك، ونزفت روحك أكثر من مرة، ولكن أعلم أنّ شوقك لمعرفة باقي الأحداث ستجعلك تعود للرواية، فالعتوم بجمال سرده وتنوع تقنياته السردية يستطع أن يجذبك للمتابعة رغم قسوة الأحداث، وهو كما اعتاد عليه قرائه يختار شخصيته المحورية بعناية فهي عادة ما تكون شخصية لا تعرف الاستلام ولا ترضى بالواقع المرير مهما كانت إمكانياتها ضعيفة، فأضعف الإيمان عندها شرف المحاولة، والاجتهاد في التغيير وترك بصمة إيجابية ....
(516) صفحة هي عبارة عن نصٌ جديد كتبه العتوم للقارئ السطور، ولكن هو نص لمئات النّصوص المخفية الّتي تحتاج إلى قارئ يغوص في أعماق الألفاظ، ويفكك التراكيب ليصل للدلالات الخفية التي يرد العتوم إيصالها، يقول العتوم في الرواية ملخصًا أحد أهدافه من الكتابة: "نحن نكتب لنُحيي ما مات، نكتب لكي تبقى الذّكريات سيّدة الحياةِ، ومع أنّها تحرِق وتُؤلم، لكنّها أيضًا تضئُ وتكشف!".
كشف لنا كاتبنا البارع المبدع عن حكاية(عمر بن سيد) ووعدنا أن يقدم لنا في المرات القادمة حكاية(عبد اللّطيف البغدادي)، وحكاية(أحمد بن الحُسين) فمن يكونوا هؤلاء؟!، وما هي الحقائق الّتي سيعطينا إياها العتوم على طبق من نص سردي باذخ بالجماليات؟؟!!، ننتظر قادمك الجديد دكتورنا الفاضل، داعين الله لك التوفيق والسداد.
بارك الله لنا في قلمك الطيب دكتور أيمن، وكتب الله لك القبول في الأرض والسماء، ومبارك لك ولنا هذا العمل الإبداعي الجدي
كلمات مفتاحية 

سجّل في نادي قرّاء أيمن العتوم