مراجعة القارئة سعاد عطيات لرواية أرض الله

مراجعة القارئة سعاد عطيات لرواية أرض الله


سلام الله على ( عمر بن سيّد ) ورحمة الله وبركاته
الكريم بن الأكرمين ... النَّسّاخ .. العالم ... الداعية .. الماشي على الشوك .. القابض على الجمر ..العاقل وسط
الهياج .. الحليم وسط الفتن .. المخلص رغم الأهواء .. الصابر على ما تعجز عن حمله الجبال ..
... لستَ وحيدا سيدي عمر... والله تعالى يرفع نزلك ومنزلتك .. ما هنتَ وما انحنيتَ ...
* كثيرا ما أتساءل : ما الذي يفصل بين الحقيقة والخيال !!!
الواقع والمثال !!!
الفطرة والتوحش!!
الإنسانية والدونية!!
كيف للإنسان بوجه جميل ولباس أنيق أن يكون مفترسا متدنيا قلبا وعقلا !!
* رواية (أرض الله) ، للأديب الفاضل الدكتور أيمن العتوم ، رواية أدبية تاريخية ، تسافر بالقارئ إلى عالم عجيب يتناقض بين الجمال والنفور ، العلو والدناءة ، يجعل القارئ يهيم على وجهه هَربا من الفظائع السوداء، والحقائق المرة ، وتارة أخرى يجعله يحلّق في دنيا الطهر، ونفوس وضيئة أحبّت الله فأنارت الوجود بهذا الحبّ .
* القسم الأول من الرواية ذو تطواف ماتع يأخذ بالألباب
لا أدري أكان موطن الجمال في ذات الطبيعة والنهر والساحات والخيول ...أم في عظمة ( والد عمر ) الذي يحمل عقلا موزونا ... يؤصّل للحياة الصحيحة ... ويمهد لأولاده تربية ومنهجا فائق الرقي ... أم جمال اللغة والوصف الذي يجعل القارئ يسافر متنقلا مع الكلمات كأنه في روضة غنّاء
* الرواية تدخل دهاليز النفس ... وتنبش عن معالم الروح في الشدة والرخاء
وصف علاقة عمر بآمنة .. صورة الإخاء المتين ... مثالية كالياسمين حديث العهد ... واقعية قريبة للروح
* الرواية تسير بهدوء عميق منعش بجمال الطبيعة ..زاخر بالعلم...وافر بالنساخين والمخطوطات ...عالم أشبه بالحلم لشدة روعته ...
ولكن ، كيف ينقلب النعيم .. ويتفرق الأحباب ..وتخلو الدار بعد ان احتوت كل حبيب !
* صورة الابتلاء في فقدان آمنة صادم ، فظيع ... من كان يظنّ أن الأم ستحيا من جديد !
وأيّ قلب هذا الذي يحمله والد عمر ليجعله يحتمل موت ابنته بفكّيْ تمساح، وغياب ابنه، وشرود زوجته ...
سبحان الله .. لولا الإيمان ما ثبت أحد .. ولا صبر
* رقصة الأب من الفرح أو كما تهيّأ لعمر ..فرحة وسط أحزان .. وخوف من فقدان آخر
* أحتار في خليط المشاعر الدفينة في صدر عمر والتي جعلته يجرؤ على ترك والديه بوقت جارح عشر سنوات !!
ولا أجد تفسيرا سوى الخوف المعجون في هشاشته طفلا .. يهرب من المكان كله حاملا معه عينَيْ آمنة التي لم يتمكّن من التصالح مع تلك النظرة زمنا غير يسير
* ما يصنعه الظالم شاهدا على جبروته في جزيرة غوريه ...
قبو السفينة ... بيت العبيد
* الماضي العنيف ل ( جونسون ) لم يولّد الرحمة في شخصه، بل أنتج عنفا مضاعفا ، وسخطا طينيا لا حدّ له ...
* مقاومة التحرّر من العبودية ... مشكلة خطيرة ... لا شك أن العبيد عاشوا في حزن عميق .. ورثاء بليغ ..ولكن المحيّر والمحزن والمذهل هو اعتقادهم أنهم عبيد بالفعل ... استغرابهم وخوفهم من عمر الذي زرع فيهم قول الفاروق-رضي الله عنه - : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) ...
* في الرواية محطات تنبئ عن الشر المهول الكامن في صدر المتعنصر الباغي
إن الفجور المتغطرس الذي تكشفه الرواية لهو محض دلالة على الحضارة الاوروبية المزيفة
وصورة ساطعة على جمال الإسلام الذي جعل بلالا رضي الله عنه مؤذنا للنبي –صّلى الله عليه وسلّم-
* الدعوة إلى الله في قبو ..في حفرة مقدودة من الصخر ...إنها روعة عمر ...وجمال الإيمان المتفجر في داخله ..كان الإيمان بالله سلاحه وملجأه ... به حمى نفسه من هذه الفتن التي لا يصدقها عقل
* طلب عمر أن ترحل عائلته الافتراضية معه لمزرعة (جيم) ووفاءه لهم..رغم أن النساء كنّ يعتبرنه زائدا عليهم !!
* رحم الله النَّسَّاخ صاحب الرقم 20...الذي أُلقي في البحر ...هي إرادة الله ...ولكن تفاؤل عمر وحسن ظنه بالله في تلك اللحظة أثّرت بي جدا...حيث كان هو رقم 21 فعاد سالما ... ونجا من الموت
( لم يكن البحر يعلم أنه ابتلع أشهر النساخين في الغرب الأفريقي كله ، أولئك الذين خطّت أصابعهم المصاحف الشريفة ، ونمّقت زخرفة الآيات القرآنية الكريمة)
* يوم المزاد الذي بيع فيه العبيد رجالا ونساء ..مهانة يندى لها الجبين
* شخصية عمر المهذّبة الإنسانية الممتلئة بالبر والدفء ..صاحب الخط الجميل الذي كان سببا في تحول منزلته للأفضل قليلا ... بقيتُ مبهورة من نظافة تفكيره ، وكيف أنه أصرَّ على أنّ الطريق الوحيد لتحرير العبد هو العلم .. ( تحرير عقل العبد قبل تحرير العبد ) .. نشاطه الدعوي في بيت العبيد، في الصخرة المخيفة مع اثنين ، مع العبيد ، مع السجناء .. إسلام الكثير على يديه ، إخلاصه لزوجته .. كان يستوقفني مضاؤه وعزمه ..
* زاد بغضي لأمريكا ..رغم أنف كل من يدافع عنها ...
استرجعت حال الجاهلية قبل الإسلام .. فكرة البغاء والإكراه على البغاء لأجل التجارة ... إنها النفس الإنسانية حين تتحول لفجور وعدوان ...
* العمّة ( تيري) ... وردة وسط غابة شوك
* ( مختار) صديق مؤقت لكنه أضاف لنفس عمر علما وبهاءً
* تمنيت لو حرّر (جيم) عمر .. والتقى بأمارا .. لو عاد لتوبا .. لبسطة الغرفة ... لمكتبة أبيه الثريّة .. ولكنّ أقدار الله تعالى غالبة .. وإن من كرم الله أن مات عمر مسلما ..وغُسّل غسل المسلمين وسط الغوغاء التي كانت تسود البلاد ...
* الرواية مؤثّرة جدا ..كشفت اللثام عن غلٍّ تمكّن في نفس المتعنصر ، وأفصحت أيضا عن القلق الدفين في نفس السيد الأبيض خوفا من صحوة العبيد يوما ما ، الرواية كُتبت بهدوء ورويّة .. يتخللها الأدب والحكم والشعر مما جعلها فائفة الجمال .. تتألم وتبكي أيها القارئ وأنت تعبر سطورها ... ثم لا تلبث أن تتوقف وتتأمل بديع النفس الإنسانية ...
* تعرّضت الرواية للعديد من نماذج النفس الإنسانية ...
هدوء الطفولة وترددها في نفس عمر .. اندفاع وحماسة آمنة .. العبقرية الجليّة في شخص( سيد) والد عمر .. التنسّك والتربية على الزهد في حلقات المريدين ، الوحشية والدناءة في بيت العبيد ، التجارة والمال محركا النفس الشرهة لدى المسيطرين على قبو السفينة ..هدوء العمّ جون واستكانته المحزنه ثم جرأته المدهشة باعترافه بأنه يعلم بهروب عمر..والذي كلفه أن يموت مشويا لكن على شهادة الإسلام ، النَّساخ الحزين الذي لم يتفاءل فكان قدره شنيعا ، صمت دانيال الذي رحل بقلب يحمل جبالا من الأحزان ، والدة عمر التي تمزقت لموت آمنة حيث استطاع الأديب أن يقنع القارئ أنها انتهت وللأبد ... ثم يفاجئنا بلغة مرتبة هادئة أنها تحسنت .. وعادت لهم ...
سخط جورج المدلل نموذج يتكرر في البيوت المترفة المقيتة ..
* رواية ( أرض الله ) ثريّة ، عميقة ، ثمينة ، تستحق أن تُقرأ مرات ومرات ، وأن تُهدى ، وتعلّم ، وتترجم
* ما كان قلم الدكتور أيمن يوما إلا عاليا ..نظيفا ..صاحب رسالة ... غزيرا بجمال العربية ، مشرقا بأزهار التعبير، معطرا بالفكر الأصيل .
بوركت أديبنا الفاضل د . أيمن العتوم . أسأل الله جلّ جلاله أن يأجرك على ما قدّمت وأخرّت ، وأن يجعل كل حرف من رواياتك نورا يسطع في قلوب الأجيال القادمة علما وفهما وحكمة
كلمات مفتاحية 

سجّل في نادي قرّاء أيمن العتوم