مراجعة لرواية يسمعون حسيسها بقلم عمر جوبا

مراجعة لرواية يسمعون حسيسها بقلم عمر جوبا

بقلم عمر جوبا

عتمةٌ ما سقطتْ عليّ حتى ظننتُ أنها بحرٌ أغرقني!!
لا أزال أذكر اليوم الذي قرأتُ فيه "يسمعون حسيسها"، وأذكر أنفاسي المتلاحقة وكل هذا الضيق الذي لحق بي حين أغلقتُ الصفْحة الأخيرة، ولم أعلم قط ما إذا كان هذا الضيق لأني أنهيتُها أم لأني قرأتُها!
أُكِنُّ شعورًا خاصًّا لكتابات العتوم، أحترمه غاية الاحترام إذ يستطيع إبهار القارئ بشيءٍ خارجٍ عن المألوف، لما علمتُ أن "خاوية" تحكي عن سوريّة كدتُ أحجم عنها، لا أستطيع إطلاقًا أن أقرأ عن أوجاع الشام كما لم أستطع القراءة عن وجع الأندلس أكثر من تسعِ صفحاتٍ في ثلاثيّة رضوى أو بشرات إبراهيم، شعرتُ أنه نفس الوجع سواءً كان بحدِّ
النصارى في الأندلس، أو حديد النصيريّةِ في الشام.
العتوم قسّم روايته إلى أقسامٍ ثلاثة، تكلم في الأول عن الطبيب جلال وسلواه وبدرهما الذي أُصيب بالتوحد، وفي الجزء الثاني تكلّم عن زياد وزيجته وأصدقائه وحربه، وفي الجزء الثالث انضم الخيطان ليصنعا خيطًا أخذني كل مأخذ، ربما شعرتُ بمللٍ في خواتيم الجزء الأول لأنني أحسست أن الرجل يكرر نفسه، معاناة ومعاناة، ثم معاناة، ما بين سلوى وبدر، أو سلوى وجلال أو سلوى ونفسها، وحمدتُ الله أن المؤلف أنهى الجزء الأول ولم يطل به الكلامُ أكثر.
أمّا الجزءُ الثاني فقد أسرني فعلًا، لا أظنُّ أنّي قرأت شيئًا فيه رائحة سوريّة غير يسمعون حسيسها، وقد غرقتُ حتى أذنيّ في كلام العتوم عنها، خصوصًا وهو يكتب كما لو كان عاشَ هناك ردحًا من الزمن، الطريف أنني كنتُ أقرأ على حذرٍ؛ لأنني اعتدتُ من المؤلف على لونٍ من الكتابة كئيب –لا أنكر أنه ممتع- فكنت أقرأ وأنا أعلم أنه سيقلب الطاولة على القارئ حتمًا.
الجزء الثالث كان ممتعًا رغم أنه كان متوقعًا بعض الشيء من خلال سير الرواية، الحدث الأبرز فيه أن جلال صار عنصرًا فعّالًا في المأساة بشكلٍ ما.
أما أدوات الاديب فهو متمكنٌ منها غاية التمكن، لغة وسردًا وحكاية، على كلٍ فأدب الرواية هو قصة جيّدة. الحياة تكون أجمل حين يصفها الأديب، أو تكون أقسى، أو أكثر قتامة. الحبّ قد يصبح ألمًا يمزق القلب كل ممزّق أو حكاية جميلة تتسلى بها حول النيران الدافئة في صقيع السهول، وهذا وذاك تعيشهما حين تقرأ أدبًا جيّدًا.
الأديبُ يكون عاشقًا حين يعشق، ورجلًا حين يحب، ومقاتلًا حين يضغط على الزناد، وامرأة غيور حين يغار، وطفلًا حين يلعب، ولاهٍ حين يعبث الخمر برأسه، وهذا ما فعله العتوم.
ولكن...

مآسٍ ثُمّ مآسٍ لا غير، كم هي كثيرة تلك الشهقات التي ندتْ مني وأنا ألتهم السطور، أريد أن أصل إلى النهاية وأخاف أن أصل إليها في الوقت ذاته، أريد لكل هذا الهراءِ أن ينتهي، ولكل هذا الظلام أن ينقشع، الظلام أحيانًا يكون رسول الضياء لكن تجاربي مع العتوم جعلتني متوجسًا.
ما لم يُعجبني في الرواية كثير، لكن أهمّ ما يُلاحظ على المؤلف أنه –للمرة الأولى- لم يخلق بين القارئ وشخصياتِ روايته علاقة من تلك التي اعتدتها، أنا عشتُ مع إياد ومحمود الفحام، وعشت مع ورد وصحبته، وفي كلِ رواية عشت مع أصحابها لكن هنا لم يألف القلب سوى جلال!
ربما كان أجدر بالكاتب أن يخلق شخصية سورية قوية تؤثر فيّ وتعيش معي حتى النهاية.
بعض الأحداث –للأسف- كانت متوقعة، أول ما سأل زياد عن صاحب الدباباتِ شممتُ الغدر في فيه، وكالعادة ترك العتوم أحداثًا عالقة لم تُفسّر لكنه معتاد من الرجل على أية حال.
في الأخير.. أعجبتني الرواية جدًا، ربما فاجأتني النهاية لأنها أتتْ على غير ما أتوقع، وأتتْ سريعة بالنسبة لأحداثها ورغم هذا لم تخلُ من مبالغات.
بعض المشاهد سيئة، وكان لديه في جعبته أفضل، واللغة لم تسلم من بعض أخطاء طفيفة.
هذا العمل قبل الأخير الذي أقرؤه للعتوم، سرتُ معه في حديث الجنود، ورحنا نسترق السمع لكلمة الله، رأينا إياد ورفاقه حين كانوا يسمعون حسيسها، رأيت البئر التي عبرتها ذائقة الموت، ورأيت إضراب العتوم في يا صاحبي السجن، وأخيرًا قرأتُ ما قرأتُ من صفحاتٍ تركتْ روحي خاوية.
لا يتبقى لي سوى "نفر من الجن" فتحت صفحاتها الآن.
آلمتني حديث الجنود كما لم تفعل أيّ منهنّ، وتلك الدموع التي سحتها العيون على صفحات يسمعون حسيسها سكبتها أنا على وريقات حديث الجنود، أرجو ألا يترك العتوم نفرًا من الإنس خاويةٌ قلوبهم بلا عمل جديد .
كلمات مفتاحية  Reviews مراجعات

سجّل في نادي قرّاء أيمن العتوم